السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

180

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

هذا لأخويهما ورمي أباهما بالعقوق المستفاد من قولهم ( لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) وإلقائهم أخاهم في البئر قادح في نبوتهم ، لأن العصمة بعد التشرف بالنبوة ، ويجوز قبلها أن يقع من النبي مثل ذلك ، وقدمنا ما يتعلق بعصمة الأنبياء في الآية 23 من سورة الأعراف والآية 2 من سورة طه في ج 1 وكذلك في الآية 15 من سورة القصص المارة فراجعها . ثم بين تعالى ما قرّ عليه رأيهم من الكيد ليوسف بقوله « اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً » بعيدة بدلالة التنكير أي أن التخلص منه بأحد أمرين : إما بقتله أو تغريبه في مكان بعيد ، لأن التغريب يحصل به المقصود كالقتل وجرمه هين خفيف ، وقيل في هذا : حسنوا القول وقالوا غربة * إنما الغربة للأحرار ذبح وقال بعضهم لبعض إذا فعلتم أحد هذين الأمرين بيوسف « يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ » من يوسف وأخيه ويقبل عليكم بكليته لا يلتفت إلى غيركم ، والمراد بالوجه الذات ، قال تعالى ( وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ) الآية 35 من سورة الرحمن في ج 3 ، ولفظ الوجه بهذا المعنى مكرر كثيرا في القرآن ، لأن الرجل إذا أقبل على الشيء أقبل بوجهه فلذلك خص الوجه « وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ » أي تنفيذ الأمر الذي تجمعون عليه من أحد الأمرين « قَوْماً صالِحِينَ 9 » بأن تتوبوا إلى ربكم من جرمكم فيعف عنكم « قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ » هو يهوذا على الأصح لأنه صاحب مشورتهم وأحسنهم رأيا ، يدل عليه لفظ قائل المنوّن وإلا لقال أحدهم أو أكبرهم « لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ » لأن القتل جريمة عظيمة أخاف أن لا تغفر لكم ، وإذا كنتم لا بد فاعلين يا اخوتي خذوه « وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ » قعره المظلم وأسفله العميق . والغيابة كل موضع ستر شيئا وغيبه عن النظر . والجب البئر الكبيرة غير المطوية ، فإذا طرحتموه فيها حصل المقصود من تغريبه ، إذ قد « يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ » الواردين على الجب فيأخذونه إلى بلادهم ، هذا رأي لكم « إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ 10 » به ما ترومون افعلوا ما أشرت به عليكم ، وهذا الجب معروف عندهم لذكره بال التعريفية ، قيل هو بئر بيت المقدس ، وقيل في الأزرق ، والأحرى أن يكون البئر الموجود الآن قرب صفد في فلسطين